سيدي محمد النوري _ يبدو أن المشهد السياسي بإقليم خنيفرة مقبل على مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق، في ظل الحضور الفعلي لرئيس جهة بني ملال–خنيفرة، عادل بركات، وتحركاته الميدانية التي بدأت تثير الكثير من التساؤلات حول طبيعة التحالفات والاصطفافات السياسية المقبلة بالإقليم.
فبعد فترة من الفتور والقطيعة بين منتخبي خنيفرة ومجلس جهة بني ملال–خنيفرة، خلال عهد العامل السابق لإقليم خنيفرة، والتي اتسمت، وفق ما يتداول في الأوساط السياسية المحلية، بتقييد ومنع قنوات التواصل بين المنتخبين ومجلس الجهة، يبدو أن المشهد بدأ يتغير بشكل لافت عقب مغادرة العامل السابق لمهامه.
فاليوم، تعود اللقاءات والتواصل بين المنتخبين ومجلس الجهة إلى الواجهة، وتظهر مؤشرات على رغبة واضحة في إعادة بناء جسور التواصل السياسي والمؤسساتي، وهو ما يجعل من تحركات رئيس الجهة محط اهتمام ومتابعة من مختلف الفاعلين بالإقليم.
أجلموس ومولاي بوعزة.. زيارة تحمل أكثر من رسالة
ولعل زيارة عادل بركات إلى منطقة أجلموس كانت واحدة من أبرز المحطات التي أعادت تحريك المياه الراكدة داخل المشهد السياسي الخنيفري.
فالزيارة، بما رافقها من حضور لمنتخبين ينتمون إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، الاستقلال والحركة الشعبية ، وظهور شخصيات وفعاليات محسوبة على حزب الأصالة والمعاصرة، يمكن قراءتها باعتبارها أكثر من مجرد نشاط ميداني عابر.
إنها، في نظر متابعين للشأن السياسي المحلي، رسالة سياسية تحمل دلالات متعددة، خصوصاً في ظرفية تعرف فيها الساحة السياسية بإقليم خنيفرة حالة من إعادة التموضع وإعادة حساب المصالح والرهانات الانتخابية.
وبالتالي فحضور مكونات سياسية متعددة في فضاء واحد، وتزامن ذلك مع تحركات رئيس الجهة، يدفع إلى طرح سؤال جوهري: هل نحن أمام بداية إعادة تشكيل للخريطة السياسية بالإقليم؟
الأحزاب وخاصة حزب “الحمامة” أمام اختبار صعب
وتزداد هذه التساؤلات حدة في ظل النقاش الدائر داخل التجمع الوطني للأحرار بإقليم خنيفرة، خصوصاً بعد تزكية محمد بادو الذي يعول على جماعة اجلموس كمعقل انتخابي، وما رافق ذلك من نقاشات حول مستقبل الحزب وتركيبته المحلية، ومدى قدرة مختلف مكوناته على الحفاظ على الانسجام الداخلي والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.
خاصة مع ظهور شائعات هنا وهناك تشوش على الرجل من قبل سحب التزكية وتارة في انفضاض الكل من حوله ، في إطار الصراع حول النفوذ والتموقع، وقد تكون بداية لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى.
ومن هنا، فإن زيارة محمد شوكي رئيس حزب الحمامة لأجلموس تحسم الجدل حول مرشح الحزب ومؤشر حول الاصطفافات السياسية ومدى التشبث بالانتماء الحزبي والوزن الحقيقي للحاضرين من المنتخبين والنخب المحلية في هذا اللقاء سياسي .
الجرار والحمامة.. تنافس يتجاوز الحسابات الانتخابية؟
التنافس بين “الحمامة” و”الجرار” على مستوى الساحة السياسية الوطنية يجد له انعكاسا محليا في عدد من الأقاليم، وخنيفرة ليست بمنأى عن هذه الدينامية.
غير أن خصوصية الإقليم تجعل المعادلة أكثر تعقيداً؛ فالعلاقات الشخصية، والامتدادات العائلية والاجتماعية، وشبكة المنتخبين، وتدبير المؤسسات المنتخبة، كلها عوامل تتداخل مع الانتماء الحزبي في تحديد موازين القوى.
ولذلك، فإن ما يجري اليوم لا ينبغي اختزاله في مجرد صراع بين حزبين، بل يمكن اعتباره عملية واسعة لإعادة توزيع مواقع النفوذ السياسي بالإقليم.
وعادل بركات رئيس جهة بني ملال–خنيفرة يدرك جيدا أن قوة مجلس الجهة لا تتوقف عند تدبير الملفات والبرامج التنموية ، وإنما تمتد أيضاً إلى قدرته على بناء علاقات متوازنة مع مختلف المنتخبين والفاعلين المحليين.
وبعد مرحلة اتسمت بالتباعد، فإن عودة التواصل بين رئاسة مجلس الجهة وعدد من المنتخبين قد تمنح بركات هامشا أوسع للتحرك داخل إقليم خنيفرة، خصوصا إذا استطاع استمالة البعض منهم عبر مشاريع تنموية كما هو الشأن ببلدية مريرت التي استفادت من مشاريع بعد زيارات متكررة لرئيسها الى رئاسة الجهة بل اعلن عن انضمامه لحزب الجرار وهو نفس الشيء لبعض رؤساء الجماعات الأخرى التي غاب رؤساءها على المجالس الوطنية لاحزابها.
لذلك فمن المؤكد أن المشهد السياسي بإقليم خنيفرة لم يعد كما كان. فالأحزاب تستعد للاستحقاقات المقبلة، والمنتخبون يعيدون حساباتهم، والقيادات المحلية تراقب اتجاه الرياح، فيما تحاول القيادات الجهوية والوطنية استباق المرحلة القادمة ببناء شبكات جديدة من العلاقات والتحالفات.
وفي هذا السياق، فإن زيارات عادل بركات إلى أجلموس وبعدها إلى مولاي بوعزة ثم ملوية ومريرت لا يمكن فصلها عن سياق سياسي أوسع، خاصة إذا تكررت مثل هذه التحركات وامتدت إلى مناطق وجماعات أخرى بالإقليم.
لقد انتهت، على ما يبدو، مرحلة الجمود، وبدأت مرحلة جديدة عنوانها إعادة فتح قنوات التواصل وإعادة ترتيب الأوراق.
ويبقى السؤال الأكبر الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة: “هل نحن أمام مجرد عودة للمياه إلى مجاريها بين مجلس الجهة ومنتخبي إقليم خنيفرة، أم أن عادل بركات بدأ فعلا في بعثرة الخريطة السياسية بالإقليم وإعادة رسم ملامح تحالفات جديدة؟”
الجواب لن يكون في التصريحات، وإنما سنكتشفه في مواقف المنتخبين، وطبيعة التحالفات التي ستولد قبل الاستحقاقات المقبلة مع عودة وجوه سياسية لها وزنها على الصعيد الإقليمي والتحاق مجموعة من الرؤساء والمنتخبين بهذا الحزب.
علما ان زيارة الوزير المنتدب المكلف بالميزانية لأجلموس يعتبره المتابعين للشأن السياسي هو دق آخر مسمار في نعش الاحزاب المنافسة وضمان فعلي لمقعد برلماني بخنيفرة، وهو ما استشعرته الحمامة مما دفعها إلى استباق ذلك باستدعاء رئيس الحزب الذي استنجد به المرشح البرلماني لاستجماع قواه وجس نبض الموالين له.
كما كانت الزيارة مناسبة للرد على الجرار من خلال دعم صفوفه بقوة انتخابية معروفة على صعيد الاقليم آية عدال كوكيلة لنساء الجهة مما أرجع الامور الى نصابها بعد تقدم الجرار ، غير أن الملاحظ هو غياب تغطيته اعلامية كما هو الشأن للقاءات بركات ، وهنا يطرح السؤال هل كان ذلك بفعل توجس المنظمين من نجاح التجمع ام هناك خبايا أخرى لا نعرفها كمتتبعين للشأن المحلي.
لكن السؤال المطروح إلى متى تبقى الاحزاب الأخرى تتفرج على هذا التنافس الشرس وغير الشريف والضرب تحت الحزام واستمالة الكائنات الانتخابية بكل الوسائل لاكتساح المشهد الانتخابي ، في الوقت الذي اختارت فيه باقي الاحزاب المنافسة الجلوس في مقاعد المتفرجين؛ فلا تجمعات حزبية، ولا ندوات فكرية، ولا لقاءات تواصلية مع المواطنين، ولا أنشطة تنظيمية قادرة على قياس نبض الشارع أو الدفاع عن برامجها ومواقفها ولا حتى ما يقوم به أمناء الاحزاب التي تروج لنفسها عبر فقرات احيدوس ، احواش وعبيدات الرمى في غياب اي برنامج انتخابي مستشرف للمستقبل استعدادا لحكومة المونديال ، باستثناء حزب دائم التواجد في الساحة ببياناته الدائمة والمنتظمة التي يدعو من خلالها إلى الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتخليق الحياة السياسية.