Ads 160x600
Ads 160x600
الرئيسية / / فن ومشاهير / عبد الهادي بلخياط من الاذاعة الى الاعتزال... ملامح مدرسة غنائية مغربية متميزة

عبد الهادي بلخياط من الاذاعة الى الاعتزال... ملامح مدرسة غنائية مغربية متميزة

كيوسك أنفو 31 يناير 2026 - 14:02 فن ومشاهير

برحيل عبد الهادي بلخياط، الذي وافته المنية مساء الجمعة عن عمر يناهز 86 سنة، فقدت الأغنية المغربية أحد أعمدتها الكبرى، وانطوت مرحلة وازنة من تاريخ الأغنية العصرية التي كان من صناع مجدها لأكثر من نصف قرن.

منذ مطلع ستينيات القرن الماضي إلى غاية اعتزاله سنة 2010، بصم بلخياط المسار الغنائي الوطني بصوت استثنائي واختيارات فنية وازنة جعلته وجها بارزا للأغنية المغربية داخل المغرب وخارجه، حيث نجح في حملها إلى الفضاء العربي ومنافسة أبرز الأصوات في زمن عرف زخما فنيا لافتا.

رحلته نحو الأضواء لم تكن مفروشة بالسهولة، بل انطلقت من ظروف اجتماعية قاسية. فبعد انتقاله رفقة أسرته من فاس إلى الدار البيضاء، وجد نفسه مجبرا على التوفيق بين الدراسة والعمل في ورشة للنجارة لمساندة والده وتأمين متطلبات العيش، قبل أن يلتحق لاحقا بوزارة الشباب والرياضة كسائق، دون أن يخبو شغفه بالفن.

ذلك الشغف الذي سرعان ما وجد طريقه إلى الإذاعة، حيث لفت صوته الانتباه وأعلن عن ميلاد اسم جديد في الساحة الفنية. وكان للراحل عبد النبي الجراري دور حاسم في توجيه خطواته الأولى ووضعه على سكة النجاح، في مرحلة كان فيها الجمهور متعطشا لتجارب فنية تعكس هويته وتلامس وجدانه.

جاء بروز بلخياط ليؤكد انتقال مشعل الأغنية العصرية إلى جيل جديد، إلى جانب أسماء وازنة مثل المعطي بنقاسم وإبراهيم العلمي ومحمد فويتح، مسهما في دينامية فنية جعلت المسارح والأثير فضاء مفتوحا لإبداع موسيقي سيترسخ كأحد أعمدة الذاكرة الفنية المغربية الحديثة.

أغنى الراحل الخزانة الموسيقية الوطنية بتعاوناته مع كبار الملحنين والشعراء، مقدما أعمالا خالدة تنوعت بين القصيدة المغناة مثل القمر الاحمر والشاطئ، والأغنية الشعبية التي لاقت انتشارا واسعا من قبيل بنت الناس وقطار الحياة ومحبوبي والبوهالي. وبرغم تميزه في أداء القصائد ذات النفس الكلاسيكي، خاصة مع عبد السلام عامر وعبد الرفيع الجواهري، ظل قريبا من الجمهور عبر أغان ذات إيقاعات محلية مغربية، بشراكات فنية ناجحة مع أسماء من قبيل أحمد الطيب لعلج وعبد القادر الراشدي.

جمع بلخياط بين قوة الصوت وحس طربي مرهف، وتحكم دقيق في الكلمة والمعرفة الموسيقية، إلى جانب حضور ركحي مميز جعله قادرا على خلق حالة تفاعل وانسجام مع جمهوره في مختلف الحفلات التي أحياها عبر مدن المملكة.

وتنوع رصيده الغنائي من حيث المواضيع، فإلى جانب الأغنية العاطفية، قدم أعمالا اجتماعية مثل بين العمارات، وأخرى وطنية من قبيل عيد الصحرا وربوات الاطلس، إضافة إلى حضور لافت للأغنية الدينية التي شكلت منعطفا متقدما في مساره، خصوصا مع أعمال ذات بعد صوفي مثل حجاج مقام النبي والمنفرجة.

وعاش الراحل وسط جيل فني عرف تنافسا صحيا وتعدد تجارب، ضم أسماء بارزة من قبيل عبد الوهاب الدكالي ومحمد الحياني ونعيمة سميح، حيث جمعتهم، إلى جانب التميز الفني، علاقات إنسانية متينة عكست روحا جماعية أسهمت في ترسيخ الأغنية المغربية العصرية.

وكان بلخياط، الحاصل على الاسطوانة الذهبية عن اغنية القمر الاحمر سنة 1973، مدركا لمسؤولية الفنان في بناء المشهد الغنائي الوطني، وهو ما جعله يفضل الاستمرار في مساره المغربي، رغم فرص الشهرة الواسعة التي لاحت له خلال إقامته الفنية بالقاهرة، حيث حظي بتقدير كبار الموسيقيين ونسج علاقات مع أسماء بحجم محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ.

وإلى جانب الغناء، خاض تجربة سينمائية من خلال مشاركته في فيلمين للمخرج عبد الله المصباحي، هما الصمت اتجاه ممنوع سنة 1973، واين تخبئون الشمس سنة 1979، جمعا نجوما من المغرب ومصر.

ويظل عبد الهادي بلخياط في ذاكرة الفن المغربي نموذجا لمدرسة أصيلة في الاداء، استطاعت ان تجعل من الصوت اداة مرنة تتكيف مع مختلف القوالب والاذواق، لتبقى اغانيه حاضرة في وجدان المغاربة، مشبعة بالحنين والمحبة، ومتوارثة عبر الاجيال.

شاركها LinkedIn